صعب أن تفقد إنساناً عزيزا لديك .. فما بالك إذا فقدت في يوم واحد الأب والأخ والعم والصديق والأستاذ ؟؟ فجيعة كبيرة .. يوم فقدت أستاذي علي سليمان مدرس اللغة العربية بمدرسة الشبراوين ، قريتي بههيا شرقية ، بينما كنت في المرحلة الإعدادية . رحل فجأة وبدون مقدمات عصر السبت 17 مارس 2007 وهو الذي اختصني يوماً بسر رؤيته النبي صلي الله عليه وسلم في منامه ووعدته ألا أبوح بذلك السر طيلة حياته ترك ثلاثة زهرات .. نهي وعلياء وهالة .. وترك زوجة لم أري في ايمانها وصبرها امرأة قط فهي التي كانت تمنع النساء من الذهاب خلف جنازته كان يوم رحيله ذاهباً للعمل بالقاهرة وقبل أن يقلع البيجو بموقف عبود بالزقازيق ، وجده السائق ينطق بالشهادة ثم يفارق الحياة فنحسبه عند الله شهيداً مع النبييين والصديقين . اتصل بي صديقي محمد صلاح تمراز الذي وعدته بأن أنزل لألتقيه بعد عودته من عمله بشرم الشيخ وما أن بدأت أرد عليه وسألني عن موعد نزولي ، اعتذرت له بسبب ضغط العمل لكنه صفعني صفعة قوية بخبر وفاة الأستاذ ، لم أصدق وسألته .. كيف مات وما الذي حدث ؟؟ فلم تكن عنده إجابة .. طلبت منه أن يتأكد ويعاود الإتصال بي بسرعة انهالت المكالمات من جميع الأصدقاء عليّ .. فلملمت أوراقي وركبت الأتوبيس وحالتي يرثي لها .. الناس بجواري تنظر إلي في اندهاش عن سبب بكائي ؟؟ لا يعلموا أني فقدت أعز وأقرب الناس الي قلبي ؟؟ تذكرت علي الفور صديقنا العزيز وأستاذي أيضاً ، محمد السيد عبدالدايم ، الذي سافر في بعثة للأزهر لدولة سريلانكا بآسيا منذ شهرين ليلة سفره التقينا جميعاً بعد أن أجل " أبو نهي " سفره للقاهرة ليودع صديقه " أبو حازم " معنا جميعاً وكنت أسجل تلك اللحظات بالموبايل .. فكعادته وبحضوره الرائع سرقت ابتسامته الكاميرا من الجميع بعثت وانا في الإتوبيس برسالة نصية لأبوحازم كتبت فيها .. " التقينا كثيراً .. ذهبت أنت لسريلانكا وأنا للقاهرة أما الأستاذ علي سليمان ففارق الحياة " لم يصدق هو الآخر الخبر فهاتفتي لكن البكاء كان أقوي مني ومنه لاتزال القرية بأكلمها وكل من عرفه عن قرب في حداد وحزن شديدين عليه والدموع لم تتوقف ولن تتوقف .. كان عزيزاً علي الجميع ومحبوباً من الجميع .. حتي من اختلفوا معه يوما .. أجبرهم علي احترامه عرفته بشوشاً ، خدوماً ، لين الجانب ، كريماً .. لحيته ونور وجهه وعلمه وحياؤه ودماسة أخلاقه وتدينه ووقاره وكل شئ كان فيه جميلاً حتي المسك الذي اعتاد أن يضعه في الدنيا ، ما احتاج اليه عند غسله وتكفينه وكذلك السواك ، الذي علمني كيف أستخدمه ، ظلت رائحته تعطر فمه حتي واري الثري نهلت من علمه وأخلاقه الكثير فبسببه زاد ارتباطي بالمسجد والقرآن وبسببه تشكلت لدي كثير من الأفكار ورسخت عندي عدة مبادئ وفهمت عنه أشياء أكبر كثيراً مما يعرفها أبناء جيلي كان فضله ولا يزال عليّ عظيم ، ساعدني في أوقات المحن وشاركني في لحظات النجاح فلا أتخيل أني سأعود للقرية يوماً دونما أجده شريط الذكريات طويل يمتد لأكثر من عشر سنين وكل موقف فيه يجعلني أبكي .. أبكي كما أنا الآن فالحروف أمامي قد تاهت .. كل مكان وزمان التقينا فيه .. حديثنا بعد الفجر وفوق السطح وفي مكتبته وعلي كنبته وفي الفصل والشارع ومركز الشباب والحقل كان الأستاذ علي سليمان صديقاً لوالدي منذ أن كانا يسافرا سوياً للعمل بالعراق في الثمانينات ، وكان أبي دائم الإتصال به من السعودية ليسأله عني ويوصيه بي وبتوجيهي وتعنيفي أحياناً لا زلت أتذكر مداعباته لي بسبب مقاس حذاء الكرة الصغير الذي كنت ألعب فيه بحصة الألعاب بالصف الأول الإعدادي وكذلك يوم كان يتلاعب بأعصابي بسبب نتائج الإختبارات الشهرية في الصف الثالث الإعدادي .. ويوم جاء لتهنئتي بحصولي علي مجموع كبير بالثانوية عندما أردت الإلتزام ، لم أجد قبلةً غيره .. مكتبته القيمة كانت كما لو ملكي .. وعرفت منه الشريط الإسلامي .. كان له الفضل في كثير من معرفتي وقدراتي اللغوية التي أمتلكها حتي اليوم في الجامعة .. كنت تقريباً لا أفارقه رغم ضيق وقته .. علمني كيف أخلص لأصدقائي واليه يرجع الفضل في الكثير من الصفات التي أمتلكها كيف لي أن أنسي حضوره يوم تخرجي ويوم تكريمي كالطالب المثالي الثاني علي مستوي الجامعة والأول علي مستوي الكلية ؟؟ كنت أري فرحته يوم جاء ليجني ثمار البذرة التي بذرها فأنبتها الله نباتاً حسناً كنت فخورا بتلمذتي علي يديه وكان هو سعيدا وودودا بأستاذته لي وكأني ابنه الذي لم ينجبه والصديق الأصغر عنده الذي لم يزامله يوم استضافتني القناة الرابعة منذ أقل من عام .. كنت أستشهد بكلامه لي وأنا في الإعدادية ويوم الندوة التي نظمناها بمركز الشباب كان أول الحضور رغم تحفظه علي الذهاب لمركز الشباب لكن كانت علاقتنا أقوي من أي تحفظ من بعده سياتي لنا - نحن أصدقائه - بالعسل النحل والجبن الأبيض ؟؟ بل وكان يقتسم لنا مما جاء به لأهل بيته !! جلست قبل وفاته بأيام لأكتب موضوعاً صحفياً فتذكرت نكتة كان قد قالها لي فإذا بالنكتة تصبح موضوعاً لوحده .. كان عنوانه .. الرئيس المبلول وحمار الوزير في موكب الغفير بدولة قفاستان !! كان عليه رحمة الله موهوباً في الخط وعذوبة الصوت وكرة القدم وكان رغم التزامه لكن النكتة والإبتسامة كانتا لا تفارقانه حتي في أحلك وأصعب المواقف كان يمتلك أسلوباً ، لم أري مثله .. يزن الأمور بعقلانية شديدة وكان عنده ذكاء أشد وتسامح ما بعده تسامح .. أثرت فيه كثيرا .. مدرسة انصار السنة .. فكان نموذجاً للمسلم المثالي فنحسبه علي خير ولا نزكية علي الله كنت عندما أتصل به وترد عليّ إحدي زهراته الثلاثة ، أسألها .. بابا فين ؟؟ لكني من اليوم ورايح أعلم أين ذهب بابا .. أين ذهب أستاذي .. واخي وصديقي وعمي وكل شئ عندي .. أستاذي علي سليمان إلي جنة الخلد إن شاء الله
.
.
الاربعاء, 21 مارس, 2007
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية
.
.








من لإمارات العربية المتحدة
(( إنا لله وانا اليه راجعون ))
الله يرحمه ويغمد روحه الجنة
مع خالص عزائي
الدمعه